vendredi 11 mars 2011

هربا من الطائفيّة تلاميذ يهجرون مقاعد الدراسة وآخرون ينعزلون

في آخر مقال لي تحدثت فيه عن انتهاك حرمة المعاهد فكّر عقلي المتواضع بأن الموضوع لا يزيد عن ظاهرة إجتماعيّة بسيطة تولّدها مثل هذه الثورات. وترسخت الفكرة في ذهني عندما لا حظت أن عدد الأحزاب يتزايد كالفطريات بلا متابعة ولا حتى إختلاف كبير في محتوى القانون الأساسي ولكنّ غرابة اللعبة السياسية في هذه الفترة والتعتيم على ملابساتها جعل أنظاري تتجه من جديد الى الشبيبة وأذناي فقط تتبعان الأخبار.

لكنّ صدمتي كانت كبرى مرّتين في أقلّ من أسبوع أولها هو غرابة تصرّفات بعض الاولاد الذين أعرفهم شخصيّا والذي اتسم طبعهم تجاهي بنوع من النفور وحتى التجاهل أحيانا مم حدى بي لسؤال أهماتهم عن سبب هذا التغيير وكان الرد خارج نطاق التوقع.فأجابتني الاولى بأن ابنها ابن الثالثة عشر أصبح لا يتوقف عن التذمر من تصرّفات والديه وطبع أبيه خصوصا الذي يهوى لعبة الورق في المقهى والتي هي حسب ابنها من المحرّمات كما أصبح هذا الولد يرفض الذهاب للتدرب على التنس وهي رياضة يمارسها منذ سنّ الخامسة لأنها مضيعة للوقت ومجال للاختلاط  وتواصل مع المنحرفين والفاسقين.
يقنعونهم أنهم سيهيمنون العالم
أما والدة أماني فقد إلتزمت الصمت في تعريف ما تمرّ به إبنتها في هذه الفترة بالذات وذلك لأنها ببساطة شديدة لا تجيد الردّ عليها فهي وان كانت موظفة سامية ببنك إلا أنّ إطلاعها على الوهابية الغريبة التي تتحدّث بها ابنتها ليست على دراية بمحتواها. وما ينفّر هذين الوالدين من الحديث عن هذا الموضوع هو خوف كليهما من ردّ فعل ابنتهما أمام الناس ففي آخر لقاء عائلي ترافقوا فيه انتهت السهرة بتوتر شديد ونفور كاد يتسبب في قطيعة عائليّة بين عائلة أماني وعائلة العمة, حيث أنّ ابن هذه الأخيرة قد  إعتبر أنّ الحكام العرب هم جملة من التاتار المسعور لا يزيدون عن فئران قارضة تخاف أسيادها فلا تعارضهم وتقاتل أبناءها وتنتهك حقهم.
هذه التعاليق أثارت غضب أماني بل واستفزتها حتى على صوتها و تطاولت على الجميع وإعتبرت أن إبن عمتها كافر منشق عاصي لله ككل الشعب التونسي , وما اثار استنكاري هو ما جاء في ردها لي كتعبير وتأكيد على التهم التي وجهتها لعائلتها حيث اتهمتني بالمبايعة في الدين وأنني بموالات بأكذوبة حقوق الانسان أعصي الالاه الذي لا يجوب إتباع سواه فما يفعله القذافي بشعبه هو ما يستحقه هؤلاء المرتدون على طاعة خليفة الله في الارض . لا أخفيكم انني شعرت بغرابة كبيرة عن هذا القول فآخر ما تمتعت به من علم لم يصلني فيه أنّه تجوز قتل النفس بغير ذي حق ولم يبلغ علمي إلا من خلال بعض أشباه رجال الدين الذين أفتوا بهذا الكلام ولم أكن أعلم بأن الله اوجد لدينا خليفة بمقام الرسول وحتى هو صلّى الله عليه وسلّم كان يولي الناس تدبّر أمورهم وكان يؤمّنهم على أسراره ويستمع منهم إذا ما تشاوروا في غير ما أنزل الله ولكنّ تفسيرات قوبلت بجدار صدّ لا يخترقه حتى الرصاص بل بالاحرى قوبلت باستنكار ونظرة إحتقار وكلمة " أرجو أن يهديك الله الى الايمان والاستقامة"

تلاميد المعاهد  الذين يقمعون من بعض الاطراف
هذه الدعوة التي استحسنتها كنهاية للحوار إستنكرتها في لقائي الشبابي في خليّة الانصات فلقد رددت على مسامعي من أخ أحد الاولاد الذي أتى لاصطحابه  ولكنّها أتبعت بسينصرنا الله بإذنه في تحرير الامة من أهل الردّة وبقايا الاستعباد و سيقوم المجاهدون بفضل الله ورعاية خليفته بتطهير هذه الأرض ممن دنّسها.من كثرة صعقتي حبس لساني. أحسست انني أمام كابوس قد لا أستيقض منه أبدا فالولد الذي يروي على مسامعي مثل هذه الكلمات لا يتجاوز السادسة عشر . قرّر التخلّي عن مقاعد الدراسة منذ فترة لان البرامج  وجهة نظره وكما أخبره بذلك أستاذ التاريخ هي من وضع الاستعمار وهي ترسيخ للافكار الهدّامة التي تسعى الى إبعاد المسلمين عن دينهم وأن اللغات التي يصرّ التقرير التعليمي على تدريسها هي مكيدة يحرص أعداء الاسلام من خلالها على تغييب لغة القرآن . أخذت نفسا عميقا ثمّ نظرت اليه بشدّة وقلت له:"منذ أكثر من ربع ساعة  وأنا أستمع الى تهمك فاستمع لي الآن أجب أستاذ التاريخ الموقّر بأن دين الاسلام دونا عن كلّ الاديان السماويّة الاخرى  لم ينزل لفئة دون غيرها أو شعب دون غيره وإن ورد باللغة العربيّة فإنّ ذلك ليس لانّ الله سبحانه أراده دين العرب  بل لانه جلّ جلاله كان يحبي كلّ رسله بمعجزة دينيّة تتماشى والعصر الذي ينزلون فيه حتى يكون إعجازا يقنع الناس بإتباعه و لأنّ الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام هو من شبه الجزيرة العربية وجاء في زمن كان الشعر فيه هو دلالة على الفصاحة والتميّز والرفعة ولانّ رسولنا كان أميّا فإن إعجاز لغة القرآن وما ورد فيه من بلاغات و قصص و أحداث كانت قوّته و علامة من علامات الاه.ولا تنسى أن تذكّر أستاذ التاريخ الذي يبدو أنّه علاوة على تطفّله على الدين فإنّه أيضا ضحل بتاريخ المسلمين وحتى واقعهم فأكبر دولة  إسلاميّة في وقتنا هذا هي أندنوسيا التي لا تعرف من العربية غير كلام الله وأن الامبراطورية العثمانية  التي كانت تحكم المشرق والمغرب كانت لغة وأصل اسطمبول مركز القيادة اللغة التركية.
تلاعب بعقول الناس وتاثير سلبي بالهيمنة
أحسست في نهاية كلامي هذا بأنني لن أقدر على إدارة الحوار أو حتى الاستماع الى نقاشات الاولاد فلقد تمازجت في نفسي مشاعر الغضب والتوتر وحتى الكراهيّة تجاه هؤلاء الذين يستغلون براءة أولادنا لطمس نفوسهم البريئة و دجن عقولهم بأفكار مغلوطة يطلق عليها اسم الاسلام  ولقد اتفقت مع الاولاد على تغيير النشاط  والقيام بشئ آخر عندما قدمت  وفاء والغصّة تملأ صوتها وارتمت في أحضانها وهي تشهق من البكاء , كانت تتكلّم بأصوات تقطعها نبرات الدموع المرفوقة بخصة القهر والاكتئاب و لم يكن يفهم من كلامها غير كلمة هل أنا فعلا عاهرة , هل أنا فعلا كافرة؟

لم تكن قدماي قادرتان على حملي ولا حتى كانت لديّ الشجاعة للاستماع الى أي قول آخر لهذا الموضوع ولكنّ تمسكها بأحضاني و استرسالها في البكاء جعلاني غصبا عنى وعلى مضض أحاول تهدئتها وفهم ما حلّ بها فجأة وهي البنت الواثقة من نفسها والتي لا تعرف إنكسارا في الخطاب.
لن أكثر من الكلام لانه لا فائدة وصولا عند الحديث عنها فلقد تساءلت  في حصّة التشريع الاسلامي عن الموانع التي تجعل من الحديث عن العلمانية أمرا مرفوضا ويستدعي كلّ هذا الاستنكار خصوصا وأنها عندما قرأت عليه بعض المصادر لم ترى هذا الجانب الأسود من الموضوع.ولا أخفيكم سرّا لم أفهم إلى هذه النقطة أين تكمن المشكلة ولكن كان ردّ الاستاذ والطريقة ليسوا مشكلة بل طامة كبرى.
فعوض الاضطلاع بدوره التربوي المزدوج كأستاذ للتشريع الاسلامي من ناحية وكمربي من ناحية أخرى فيبسط التفسير حتى وإن لم يكن من مناصريه ويقوم بتحليل الموضوع من وجهة نظر دينية أكثر ما يمكن مجرّدة أخذ هذا الاستاذ يصيح و يبرطم ويرمي بالتهم يمنة وشمالا قائلا بالكفر في هذا الامر ومتحدّثا بالدسيسة والمؤامرة على الاسلام والمسلمين ولم يتوقف به الحوار الشرس عند هذا الحد بل تجاوزه ليصل الى اتهامها بالفسوق والفجور والكفر عندما قالت ولكن يا أستاذي ليس هذا ما وجدته في الكتب فثار متهما إياها بقلّة المعرفة الدينية قائلا من اين لك بالدين هل تعرفين القرآن هل تصلّين هل تصومين رمضان وغيرها من الاسئلة الاستنكاريّة حتى دون فسح المجال للرد.
عندها فقط فهمت إحساس المرارة الذي كان يظهر في صوتها وحالة الانهيار التي كانت عليها فوفاء ورغم  ما تبدو عليه من إنفتاح فكريّ و إجتماعيّ  إلا أنها تنتمي إلى عائلة مسلمة مطبقة للشعائر وما حزّ في نفسها أنّ كلّ التهم التي رماها في وجهها كانت غير صحيحة فهي تصوم رمضان وتقرأ القرآن وتؤدي فرائض الصلاة وإن كانت ليست من مناصري الحجاب فإنّ والدتها ترى أنّ هذا موضوع شخصي يرجع لها فقط بالنظر ويرى والدها أنّ الله سيهديها يوما ما على حدّ قوله ولا مشكلة فيما سبق فالله أعلم بالقلوب.
ولانها مقرّبة جدّا من قلبي فإنني كنت قريبة من عائلتها وملمة لذلك الجانب الديني في هذه العائلة التي لا تتجاوز فرائضها مقرات العبادة ولا تظهر الاّ في رقي أخلاقهم وسموّ طباعهم وسماحة أنفسهم .
كلّ يسحب لطرفه وأبناؤنا في الهاوية
وما أثار استغرابي واستغراب كلّ الشباب بالقاعة أنها لم تجابهه بالردّ لكنها أفادتنا بأن جملة التهم القاها في وجهها أشعرتها بأن الاعتراف بحقيقتها سيستغلّه ضدّها ليمارس عليها القمع الديني بالكتب والتعليقات كما يفعله مع كلّ تلميذ  يبدي إهتماما باقواله وهي لا تفضّل خسارة صديقاتها وأصدقاءها في ظلّ المظهر الطائفيّ الذي يصطبغ به قسمهم ومعهدهم إجمالا منذ فترة و تبررّ لا أريد الدخول في نقاشات من هذا النوع حتى لا اختار البقاء في المنزل أو استنكار الحرّية التي حلمتها بها من فترة كما حدى بالبعض من أصدقائي الذين صاروا ينادون بعودة الديكتاتورية على هذه الحريّة المقيته والمستفزّة.
لن أضيف بعد هذا الكلام لأنني صدقا لا أجد ما أقول فرغم أنني لست من أنصار العلمانيّة إلاّ أنني أرفض أن يتعلّم أولادنا الدين بهذه الطريقة ولا أقبل من إبني أن يقول لي يوما أنّه سيذهب للجهاد لا لكي يحرر فلسطين من إستعباد اليهود بل ليرفع سلاحا في وجه جاره أو أخيه بحجة أنّ الخليفة قال أن كلّ من رفض الانسياق في رأيه ونظرته فهو ضدّ الدين ومرتدّ وبالتالي حلّل دمه.
قف هنا صارت حرّيتي
أفضّل أن لا يقرأ ابني او ابنتي دروسا في التشريع في المدرسة على أن أراهم يدجّون كالفراخ فكريّا ويصبحون قنابل متفجّرة في أيدي صنّاع الموت بشعار الإستشهاد ورفع الدين وحروب الخلافة.لا أعلم ما قد يعتري تفكيركم من هكذا أفعال وممارسات ولكنّ الشعب التونسي الذي تشهد صفوفه هذه الأيام إنقسامات طائفيّة غريبة عنه هو أكثر الشعوب العربيّة توازنا وأكثرها صلابة وتماسكا في الصفوف فهل سيصبح الاختلاف في مذاهب التطبيق للشريعة ذريعة حتى نقتل وهل ردع السلطان عن جبروته أصبح كفرا وهل أنّ الاعتدال ورفض التقتيل صار جرما.أليست مدارسنا وأبناؤنا بعيدا عن هذا الاجرام هم في مأمن نفسي وديني أنا اعتقد نعم وانتم لكم سديد النظر. يكفي أن تسألوا بجانبكم و بعضا من أصدقائكم لتكتشفوا بأن هذه الحالات لم تصلني أنا فقط بل بلغت العديد من الجهات والمراكز التعليمية ونفور عديد التلاميذ من مقاعد الدراسة صار الشغل الشاغل لكثير من الأمهات التي إبتلين بهذا الموضوع

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire